محمد الساعدي

22

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح

يقينهم ، وقد ظهر أثر ذلك في أخلاقهم وأعمالهم وسائر ضروب معاملاتهم ، وهؤلاء ناجون وفي الجنان منعمون إن شاء اللَّه تعالى . . لكنّ إسلام هؤلاء الأفراد لا يكفي في تحصيل الأثر العامّ الذي ينبغي أن تكتسبه الأُمّة بمجموعها ، من العزّة وإرث الأرض والاستخلاف فيها . فهل حسّنت ظنّك بي الآن يا أخي ، وعرفت الفرق بين إسلام الأفراد وإسلام المجموع وأنّ أحدهما لا يستلزم الآخر ، وأنّ لكلّ منهما أثراً خاصّاً به ؟ ! فتحصّل معنا : أنّ المسلمين في أيّ زمن كانوا وعلى أيّة حالة أصبحوا يكثر بينهم وجود أفراد كاملي الإسلام ناجين ، كما يكثر وجود آخرين مقصّرين وعن أعمالهم بين يدي اللَّه محاسبين . أمّا الأُمّة الإسلامية بمجموعها وبقطع النظر عن أفرادها فقد يأتي عليها دور أو تدخل في طور تكون فيه بمعزل عن . . عن أيّ شيء ! لا أقدر أن أقول : بمعزل عن الإسلام ، ولكن أقول : بمعزل عن أن تكون قد استوفت آثار الإسلام وجوائزه السماوية التي وعدها اللَّه المسلمين في الآيات المختلفة والنصوص المتعدّدة . . ثمّ إذا وصلت الأُمّة بمجموعها إلى هذا الدور أو الطور ألا تكون مسؤولة يوم القيامة بين يدي خالقها عن هذا التقصير ومناقشتها الحساب فيه ؟ ! أو لا تُسأل ولا تُحاسب اعتباراً بأنّ مجموع الأُمّة شخص معنوي ، لا قالب له حسّي ، وإنّما يكون تقصيرها ذنباً عقابه فيه ، أي : يكون مجرّد تقصيرها في الدار الدنيا عقاباً لها من حيث إنّها تعيش محتقرة بين الشعوب ، حقّها ضائع وعزّها مسلوب ، وهذا القدر كافٍ في عذابها وتحميلها مسؤولية ذنبها ؟ ! وقد يخطر في البال أنّ الأُمّة بمجموعها ممثّلة في هيئة حكومتها ، فهيئة الحكومة والأفراد الذين تتألّف منهم هذه الهيئة - وهم ولاة الأُمور - يكونون مسؤولين يوم القيامة عن تقصير الأُمّة في كسب العزّة والغلبة ووسائل الاستخلاف في الأرض وسائر آثار الإسلام ومميّزاته الطبيعية . ولكن هذا الاعتبار صحيح في الحكومات المستبدّة التي تكون الأُمّة خاضعة لها ، وتكون نسبتها إليها نسبة العبد إلى السيّد ، أمّا في الحكومات الدستورية الحرّة فلا تكون الأُمّة للحكومة ، وإنّما على العكس الحكومة تكون للأُمّة ، والأُمّة إذ ذاك تصبح هي السيّدة وهي المسؤولة عن تقصيرها في عدم استيفاء آثار الإسلام المذكورة .